الأبشيهي

645

المستطرف في كل فن مستظرف

ثم سكت وغنى رقيق : [ من البسيط ] لا تحفلن بقول اللائم اللاحي * واشرب على الورد من مشمولة الراح كأساً إذا انحدرت في حلق شاربها * أغناه لألاؤها عن كل مصباح ما زلت أسقي نديمي ثم ألثمه * والليل ملتحف في ثوب أمساح فقام يشدو وقد مالت سوالفه * يا دير حنة من ذات الأكيراح ثم أقبل أبو عيسى على المشدود وقال له غن لي شعري فغناه : [ من البسيط ] يا لجة الدمع هل للغمض مرجوع * أم للكرى من جفون العين ممنوع ما حيلتي وفؤادي هائم دنف * بعقرب الصدغ من مولاي ملسوع لا والذي تلفت نفسي بفرقته * فالقلب من فرق الأحزان مصدوع ما أرق العين إلا حب مبتدع * ثوب الجمال على خديه مخلوع قال أبو عكرمة : فوالله لقد حضرت من المجالس ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى فما حضرت مثل ذلك المجلس ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا . وحكي عن الرشيد أنه قال يوماً للفضل بن الربيع : من بالباب من الندماء قال : جماعة فيهم هاشم بن سليمان مولى بني أمية وأمير المؤمنين يشتهي سماعه . قال : فأذن له وحده فدخل فقال : هات يا هاشم فغناه من شعر جميل حيث يقول : [ من الطويل ] إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا * جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها * ويا ويح عقلي ما أصبت به أهلي خليلي فيما عشتما هل رأيتما * قتيلا بكى من حب قاتله قبلي قال : فطرب الرشيد طرباً شديداً وقال : أحسنت لله أبوك قلده عقداً نفيساً فلما رآه هاشم ترقرقت عيناه بالدموع فقال له الرشيد : ما يبكيك يا هاشم فقال : يا أمير المؤمنين إن لهذا العقد حديثاً عجيباً إن أذن لي الأمير حدثته به فقال : قد أذنت لك . قال يا أمير المؤمنين : قدمت يوماً على الوليد وهو على بحيرة طبرية ومعه قينتان لم ير مثلهما جمالاً وحسناً فلما وقعت عينه علي قال : هذا أعرابي قد ظهر من البوادي أدعو به لنسخر به فدعاني فسرت إليه ولم يعرفني فغنت إحدى الجاريتين بصوت هو لي فأخطأته الجارية فقلت لها : أخطأت يا جارية فضحكت ثم قالت : يا أمير المؤمنين ألم تسمع ما يقول هذا الأعرابي يعيب علينا غناءنا فنظر إلي كالمنكر فقلت يا أمير المؤمنين : أنا أبين لك الخطأ فلتصلح